Saturday, February 25, 2006

رحلة 2

والحق ان طه حسين خير من يرافق في مشوار طويل كهذا , فهو يروي و انا اصغي له بإنتباه كامل , منعزلا عن وحشة الطريق و طوله , فهو كما قلت يروي بلا ضجر لا من قبلي و لا من قبله .. وينطق جواهر الكلم وغرره في ابحار بل غوص في بحر الفكر ان كان الفكر بحراً.

وكانت رحلة الذهاب تدور في مدار المقالة , حيث انتقيت كتاب ( من لغو الصيف الى جد الشتاء ) , وما هذا الكتاب الا مجموعة مقالات كتبها ذاك الضرير في احداث دارت في تلك الحقبة من الزمان .. وعلمتُ حقاً لمَ اطلق على طه حسين عميداً للأدب العربي , ولو كنت ناقدا لما ترددت لحظة عن اعطاءه هذا اللقب ..

ويبدو اني كعادتي قد شردت الى سيره حياة طه حسين , بعيدا عن ما انا بصدده , لنعد الى موضعنا , ولمّا هبط المساء او كاد دخلنا الى حلب .. وما اشبهها بمدينتي الأم , فهي هادئة لطيفة تلمح فيها النزعة الملتزمة , مع انها لم تخل من مسحة من حضارة .

والحق ان مدينة حلب متأثرة او قل متعلقة كثيرا بماضيها , وما ماضيها الا سيف الدولة وشعراؤه , وأدباءه وندماءه , ومتنبيه وابو فراسه .. ؟؟!

وإذا فأنت تلمح هناك شارع سيف الدولة , وساحة سيف الدولة , جامع سيف الدولة .. وغيرها من المسميات لربما تجد فيها مبالغة وتكلفا .

لم تطل الاقامة بحلب طويلا , فما استمرت الا يوما وبعض يوم , لم تنقع غليلي من هذه المدينة , فلم ازر قلعتها , ولم اشاهد مأذنها ومساجدها .

قبل وصولي حلب .. مررت ببلدة احببها دون ان اراها , حيث انها مهد لأدباء الشام وافذاذ اللغة العربية فيها .. انها منبج, ولشد ما استعجبت حين رأيت بلدة حقيرة لم تصل الى مرتبة مدينة , ثم زال عجبي حين تذكرت ان في وطننا , يقبر العلم , وتحقر الثقافة , ويعلو السفساف , ويمجد الخطأ , ويحمد الظالم , ويتعلق بكرسيه الحاكم .

نعود الى حلب , تحركت السيارة من حلب في الثانية ظهرا .. واستمرت رحلة دامت اربع ساعات متواصلة .. عدت فيها الى استكمال قراءة ما بدأته من كتاب طه حسين .

في الساعة السادسة تقريبا , دخلنا الى دمشق ..

دمشق ... تذكرت رأسا قول شوقي :

سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ .....وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ

ومالي سوى ان اترككم هاهنا .. على ان اكمل في اقرب فرصة والتي اتمنى ان تكون في الاسبوع القادم .

Sunday, February 12, 2006

دون ان ادري لماذا او كيف او متى .. اكتب ما اكتب الان عن اول تجربة شخصية لي خارج حدود المألوف بالنسبة لي , بل خارج حدود العراق حتى .. أو قل خارج حدود عالمي المادي الذي اعتدته لحوالي سبعة عشر عاما من حياتي امضيتها وراء قضبان العراق .
انه السفر .. ولكن الى أين ؟؟!
والجواب اسهل من ينظر فيه .. فما العراقي و السفر ؟؟ و ما العراقي و المتعة ؟ و ما العراقي و راحة البال و الاستجمام ؟؟!!! . وإذن فلا بد ان تكون الوجهة واحدة من اثنتين إما الاردن و اما سورية .. و لأن الاردن بلد شقيق حريص على مصالح مواطنيه .. فمن البديهي ان يتشدد في ادخال حملة لواء الارهاب الى ارضه , ويغالي في محاولة منعهم من الدخول أي مغالاة .. في حين انه يلثم الارض التي تطأها قدم امريكي او بريطاني .. او قل يلثم ارض كل من لا ينطق الضاد .. و يا للضاد من شر ابتلى الله به هذا العرق من الناس .. فلا استغرب ولو لطرفة عين ان توضع كلمة (ارهاب ) مرادفا لحرف ( ض ) ..فتباً له من حرف .
وإذن فليس هناك بد من ان يكون هذا الاستجمام المتكلف في سورية .. فهل من داعٍ لإنتظار شيء ؟؟ كلا, شدّوا الرحال الى ارض الشام !!
وانطلقت عائلة او لنقل ( عائلة – 1 ) وذلك الواحد هو أبي الذي دفعه تأجيل الامتحانات الجامعية دفعاً لأن يتخذ قرارا يقضي بعدم مرافقتنا في رحلتنا و التي هي في حقيقة كنهها ليست سياحة ولا استجماما , فما هي الا زيارة لبيت عمي بعد ان تركوا العراق فارّين لظروف تعرضوا لها في العراق لا مجال لذكرها الان .
اذن هاهي عائلتنا تنطلق في السيارة لتصل الى الحدود العراقية و الويل لمن يصل الحدود العراقية دون ان يجهز يده و جيبه للرشاوى .. واذن فقد دفعنا ما قدر الله لنا ان ندفع واجتزنا الحدود السورية بنسخة طبق الاصل عن الحدود العراقية ..
وانطلقنا الى حلب .. ذلك الصرح الثقافي الشامخ , او عاصمة الثقافة الاسلامية كما يحلو للحلبيين ان يسمّوها .. ولكن الطريق الى هناك طويل يربو على الست ساعات من الحد السوري الى بوابة مدينة حلب .. ولم يكن هناك بد من ان اتخذ جليسا في رحلتي هذه ولم اجد جليسا خيرا من كتاب انتقيه بعناية , وعلى قول ابي الطيب
أَعَزُّ مَكانٍ في الدُنى سَرجُ سابِحٍ وَخَيرُ جَليسٍ في الزَمانِ كِتابُ
والجلساء انواع .. فمنهم السيد الوقور , والمضحك الطريف , والكيس الظريف , والماجن الخليع .. والدنيا تتسع لكل هؤلاء كما يقول العقاد –رحمه الله- .
واذن فقد اخترت جليسا كفيف البصر , شيخا , اديبا , عالما , فقيها , مثيرا للجدل والمشاكل فوق هذا كله ... لقد اخترت : طه حسين .
يتبع...