والحق ان طه حسين خير من يرافق في مشوار طويل كهذا , فهو يروي و انا اصغي له بإنتباه كامل , منعزلا عن وحشة الطريق و طوله , فهو كما قلت يروي بلا ضجر لا من قبلي و لا من قبله .. وينطق جواهر الكلم وغرره في ابحار بل غوص في بحر الفكر ان كان الفكر بحراً.
وكانت رحلة الذهاب تدور في مدار المقالة , حيث انتقيت كتاب ( من لغو الصيف الى جد الشتاء ) , وما هذا الكتاب الا مجموعة مقالات كتبها ذاك الضرير في احداث دارت في تلك الحقبة من الزمان .. وعلمتُ حقاً لمَ اطلق على طه حسين عميداً للأدب العربي , ولو كنت ناقدا لما ترددت لحظة عن اعطاءه هذا اللقب ..
ويبدو اني كعادتي قد شردت الى سيره حياة طه حسين , بعيدا عن ما انا بصدده , لنعد الى موضعنا , ولمّا هبط المساء او كاد دخلنا الى حلب .. وما اشبهها بمدينتي الأم , فهي هادئة لطيفة تلمح فيها النزعة الملتزمة , مع انها لم تخل من مسحة من حضارة .
والحق ان مدينة حلب متأثرة او قل متعلقة كثيرا بماضيها , وما ماضيها الا سيف الدولة وشعراؤه , وأدباءه وندماءه , ومتنبيه وابو فراسه .. ؟؟!
وإذا فأنت تلمح هناك شارع سيف الدولة , وساحة سيف الدولة , جامع سيف الدولة .. وغيرها من المسميات لربما تجد فيها مبالغة وتكلفا .
لم تطل الاقامة بحلب طويلا , فما استمرت الا يوما وبعض يوم , لم تنقع غليلي من هذه المدينة , فلم ازر قلعتها , ولم اشاهد مأذنها ومساجدها .
قبل وصولي حلب .. مررت ببلدة احببها دون ان اراها , حيث انها مهد لأدباء الشام وافذاذ اللغة العربية فيها .. انها منبج, ولشد ما استعجبت حين رأيت بلدة حقيرة لم تصل الى مرتبة مدينة , ثم زال عجبي حين تذكرت ان في وطننا , يقبر العلم , وتحقر الثقافة , ويعلو السفساف , ويمجد الخطأ , ويحمد الظالم , ويتعلق بكرسيه الحاكم .
نعود الى حلب , تحركت السيارة من حلب في الثانية ظهرا .. واستمرت رحلة دامت اربع ساعات متواصلة .. عدت فيها الى استكمال قراءة ما بدأته من كتاب طه حسين .
في الساعة السادسة تقريبا , دخلنا الى دمشق ..
دمشق ... تذكرت رأسا قول شوقي :
سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ .....وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ
ومالي سوى ان اترككم هاهنا .. على ان اكمل في اقرب فرصة والتي اتمنى ان تكون في الاسبوع القادم .